عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
225
اللباب في علوم الكتاب
وفي المعين قولان « 1 » : أحدهما : أنّه مفعول ، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه : إذا أدركه بعينه . وقال الفراء « 2 » والزجاج « 3 » : إن شئت جعلته ( فعيلا ) من الماعون ، ويكون أصله من المعن « 4 » والماعون فاعول منه . قال أبو علي : والمعين : السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى ، والماعون ما سهل على معطيه . قالوا : وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة « 5 » سنة ، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم « 6 » . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 51 إلى 56 ] يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ » الآية . اعلم أنّ هذا خطاب مع « 7 » كل الرسل ، وذلك غير ممكن ، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة ، فلهذا تأوّلوه على وجوه : فقيل : معناه الإعلام بأن كلّ رسول نودي في زمانه بهذا المعنى ، ووصي به ، ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل ، ووصوا به ، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه . وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة : أراد به محمدا - عليه السلام « 8 » - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد : أيّها القوم كفّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل . وقال ابن جرير « 9 » : المراد عيسى - عليه السلام « 10 » - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب ، ولأنه روي « أنّ عيسى عليه الصلاة والسلام كان يأكل من غزل أمه » « 11 » .
--> ( 1 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 104 . ( 2 ) قال الفراء : ( وقوله : « ومعين » : الماء الجاري . ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون ، وأن تجعله فعيلا من الماعون ويكون أصله المعن ) معاني القرآن 2 / 237 . ( 3 ) قال الزجاج : ( و « معين » ماء جار من العيون . وقال بعضهم : يجوز أن يكون فعيلا من المعن مشتقا من الماعون . وهذا بعيد ، لأن المعن في اللغة الشيء القليل ، والماعون هو الزكاة ، وهو فاعل من المعن ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 15 . ( 4 ) في النسختين : المعين . ( 5 ) في النسختين : اثني عشر . ( 6 ) آخر ما نقله عن الفخر الرازي 23 / 104 . ( 7 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 105 . ( 8 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 9 ) جامع البيان 18 / 22 . ( 10 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 11 ) انظر جامع البيان 18 / 22 ، الدر المنثور 5 / 10 .